أكاد



( أكاد أرى الله عند نهاية حرف الواو فى كلمة هـــــــــو )

إبن عربى

الخميس، 11 يونيو، 2009

النواصـــــــــــــــــــــــــى



النواصى ليست عمارة فحسب بل حنين وآثار ناس مروا "


قرأت هذه العبارة فى مرثية المسافرخانة التى خطها شيخى جمال الغيطانى .. فتذكرت حينها نواصى مرت بى ومررت بها .. اثرت فىّ وتأثرت بها ..
عند النواصى يتحول العالم الى شيئ آخر لم يكنه قبل المرور .. قد ينكشف شيئ او يختفى .. قد يتصل او ينقطع .. قد يولد أو يموت.....

ناصية العفاريت

هى الناصية التى يصنعها بيت جدى القديم بين شارعين صغيرين من شوارع قريتنا

كانت ملعب طفولتنا المبكرة .. حولها " استغمينا " وتشاجرنا وضحكنا .. وحتى بالقرب منها قضينا حاجتنا .. كانت موضعاً للحرية الكاملة التى كنا نحرم منها طوال العام الدراسى فى بيت أبى بالمدينة

هذه كانت الصورة النهارية للناصية انما فى المساء كانت تختفى عفاريت الانس ليحل مكانهم عفاريت حقيقية أراهم وأسمع دبيبهم وأمتلئ رهبة منهم ..

مستخرجا تفاصيل هيئاتهم وحركاتهم المخيفة من حواديت اقاربى القرويين يقصونها علينا متلذذين بما يوقعونه فى نفوسنا من رعب الى حد الجمود.

ناصية الدهشة


كانت فارقة بين عالمين .. بين ملعب أخضر كبير بلا حدود .. وبين مبنى ذو أعمدة بالكاد تعيه ذاكرتى منذ كان عمرى بين الرابعة والخامسة

وأيضاً فارقة بين براءة الطفولة وصدمة الإكتشاف الأول ......!

كانت فتاة فى عمر المراهقة وكانت تأتى لمنزلنا وتأخذنى لألعب معها .. عند هذه الناصية دفعتنى الى مخبأ لم أعرفه من قبل .. ثم كشفت ما تحت ملابسها .. وكم كانت دهشتى حين رأيتها مغمضة العينين تمرر أصابعى الصغيرة بين فخذيها

مصادفة .. وقفت عند هذه الناصية - خلال رحلة علمية بكلية الهندسة طُلب فيها عمل بحث عن القرى النموذجية التى بنيت فى عصر الثورة

بعد خمس عشرة عاما - تضاءل كل شئ .. الملعب الكبير .. وأعمدة المبنى .. وبيتنا القديم .. وحتى أثر الحادثة تضاءل ..

شيئ واحد ظل كبيرا كما كان ....................... "الدهشــــــــــــــــــــــــــــــــة"

ناصية الروح

لم أشعر بانعدام الوزن بالقدر الذى أحسسته فى أول أيامى الجامعية .. فقد تبدلت حياتى حينها من حال الى حال .. تركت اسرتى لأعيش لأول مرة وحيدا فى المدينة الجامعية .. وتركت مدينتى التى نشأت فيها وعرفتها وعرفتنى الى العاصمة الكبيرة التى لاتعرف أحدا ولا يعرفها كثير من أهلها .. وانتقلت من نظام تعليم مدرسى رتيب الى نظام جامعى مختلف تماما .. أضف الى ذلك – وسط هذه الحوسة – كان المطلوب منى تحديد اختيار هام جدا يشكل مستقبلى العملى .. وهو اختيار أحد التخصصات الهندسية الخمس ..

وفى ظل جهلى التام وقتها بطبيعة هذه التخصصات فان أنطباعاتى الشخصية صورت لى أن الأقسام كلها متساوية عدا قسم واحد ظننته شديد الصعوبة هو قسم العمارة لعلمى أن المهندس المعمارى وظيفته الرئيسية هو تصميم المبانى وهى مهمة تخيلتها مستحيلة .. حيث يتم خلق كيان ضخم من العدم .. الخلق من صفات الآلهة .. وليس من صفات البشر.. وأنا مجرد انسان وحيد يبحث عن الأتجاه الصحيح..

وأرتحت لفكرة تقلص خياراتى من خمس الى أربع فقط .

حين وطأت قدماى – صدفة - صالة الرسم التى يعمل بها طلبة قسم العمارة ظننت أننى فى أرض الأحلام

فقد وجدت أولاد وبنات يمارسون الرسم بحرية واصوات موسيقى تصدح فى المكان ولوحات ضخمة عليها مناظر بالأبيض والأسود لمبان جميلة محاطة بالأشجار والبشر

ولما كان الرسم هوايتى الأولى منذ الصغر .. أيقنت ساعتها أن هذا تماما ما أحب دراسته والتخصص فيه .

ولكن ماذا عن أستحالة الخلق ؟ وما ذكرته عن صفات الآلهة ؟ ..

بوضوح تجلت لى الآية .......

[ ونفخنا فيه من روحنا ]

ألست أنساناً فيه من روح الله ..؟ اذن فهناك شيئ مقدس داخلى .

حين عبرت ناصية مدرج " الساوى " مستقبلاً براح حديقة الكلية ..

أصبحت إنساناً آخر .. كان أختيارى الهام قد تحدد .. وكان هناك ضوء خافت داخلى أتتبع اثره حتى الآن .

ناصية نوستالجيا


عرفت هذه الناصية لفترة طويلة فهى تقع بين شارع تجارى مزدحم وشارع سكنى هادئ فى وسط مدينتى أسيوط ..

ولكن عند مرحلة من حياتى إكتسبت هذه الناصية معنىً جديدا..

كنت عند هذه المرحلة أميل للأعجاب بالأشياء القديمة فأحببت أدوار وطقاطيق وموشحات أم كلثوم وعبد الوهاب وفرقة الموسيقى العربية .. وأسرتنى زخارف العمارات القديمة .. وأعجبتنى قصص الحب الكلاسيكية ..

عند هذه الناصية هناك مبنى متوسط الأرتفاع والعمر واجهته بسيطة لونها اصفر هادئ تميزه شرفة ذات أعمدة أنيقة ..

كانت تسكنه فتاة قررت حينها ان أحبها حبا أفلاطونيا ..

فكانت بطلة لوحاتى وأحلامى دون أن أبوح لها أو لأى أحد آخر بما يجيش فى صدرى وإلا فكيف يكون الحب أفلاطونيا ؟

وظللت وفياً لصور الحب التقليدية كما جاءت فى الكتب .. من سهد وبعاد وشوق وضنى
ورغم أنها سكنت بيتاً آخر وسكنت أنا لحب آخر .....

لاأزال حتى الآن عندما أمر عند هذه الناصية أسمع صوت عبد الوهاب يغنى ..

... مريت على بيت الحبايب ...

ناصية الفــــــــــقد

لم أتصور يوما ان هذه الناصية الواقعة عند منتصف الشارع الذى كنت أسكنه مع اسرتى .. سوف تكتسب هذا المعنى المؤلم .. فهى مكان حميم كنت امر به كل يوم أكثر من مرة ..

حتى كان يوم أبلغنى صديق عند هذه الناصية أن أمى قد رحلت .....

فى المسافة الفاصلة بين موضع الناصية وبيتنا الذى خلى منها .. عدوت .. متوهما إمكان اللحاق بها قبل ان تغيب..

كانت هذه المسافة التى لا تزيد عدواً عن دقيقة واحدة .. وكأنها الدهر كله .. الدهر الذى اتسع لاستعراض ذكرياتى معها ..

ولكن فى النهاية .. رحلت ..

رحلت قبل أن أبوح لها بكل اسرارى ..

وقبل أن تمحو هى كل مخاوفى ..

ودون أن أكتفى من دفء حضنها ..

منذ تلك اللحظة وعند هذا المكان عرفت حقيقة الفقد .

ناصية الحلم

بين شارع شريف وشارع سليمان بوسط القاهرة ..أمام الأمريكين .. ظلت هذه الناصية لفترة طويلة تشاركنا ـ انا وأصدقائى ـ حواراتنا المكررة ودعاباتنا الثقيلة وأيضا أحلامنا الممكنة والمستحيلة..

كنا أربعة نشأت صداقتنا منذ ايام الجامعة .. قضينا سوياً معظم اوقات حياتنا .. حتى الاجازات الصيفية كنا نسافر فيها سويا للإستجمام أو للعمل .. تقاسمنا كل شىء من الأكل الى السجائر .. ومن الحلم الى الاحباط .. وكانت تلك الناصية شاهدة علينا ..

بحكم كونها قريبة من أماكن عملنا بعد تخرجنا من الجامعة اخترناها .. نتلاقى عندها .. نبدأ منها أو ننتهى اليها .. فأصبحت ـ مع الأيام ـ خامسة الشلة ..

فرغم تنقلنا بين عدة شقق مفروشة فى أحياء القاهرة إلا أننا لم نترك قط صديقتنا الناصية

بمرور الآيام جرت سنة الحياة على الأصدقاء الخمسة

مات أحدهم اثر عملية جراحية لم ينج منها ..

وآخر إبتلعته بلاد الغربة ....

وفقدنا ناصيتنا الحميمة بعد ما تفرقت اماكن العمل

وبقيت أنا وآخر الأصدقاء نتلاقى .. ولكن ليس كالأيام الخوالى ..

كلما مررت عليها ـ وهو ما أصبح نادراً ـ

لم أعد أجد أحلامنا الممكنة ولا المستحيلة ..

إنما فقط ركام ذكريات قديمة ...................................................................

القاهرة ـ يونيوـ 2009

اللوحة من أعمالى أثناء الدراسة بكلية الهندسة ـ قسم العمارة
جواش على كرتون