أكاد



( أكاد أرى الله عند نهاية حرف الواو فى كلمة هـــــــــو )

إبن عربى

الأربعاء، 24 فبراير، 2010

مهرجان النشر الجماعى الأول









تم الإحتفال الختامى لمهرجان النشر الجماعى الأول الذى نظمته جماعة بشر للتنمية الثقافية والفنية بحديقة متحف محمود مختار يوم الجمعة 19 /2 / 2010

وكنت ضمن المكرمين لإختيار أعمالهم القصصية والشعرية ونشرها فى كتابين هما (دون حذاء أفضل ) للقصة القصيرة و(الأرض بتتكلم شعر ) للشعر وبدأ الإحتفال بعرض برومو فيلم عن المهرجان

ثم تكريم لجان التحكيم والفائزين وتسليمهم نسخة من الكتاب ثم ختم الحفل بعرض جميل من فرقة المولوية المصرية بقيادة عامر التونى

تم إختيار قصتى (أشياء صغيرة) ضمن الكتاب الأول للمهرجان

وهنا بعض صور الإحتفال







الثلاثاء، 9 فبراير، 2010

عبر شارع الابراهيمية


"مشيناها خطىً كتبت علينا .. ومن كتبت عليه خطىً مشاها "

لبعض الأماكن عندى حضور واضح , حين أتواجد بها لا أراها مبانٍ راسخة أو طرقٍ ممدودة أو علاماتٍ مميزة
ولكنى أجدها أحداثاً جرت .. و بشراً صحبتهم .. وأحاسيس تمت ..
من هذه الأماكن شارع الابراهيمية وهو الشارع الموازى للترعة الابراهيمية التى تولد من ضلع النيل الغربى .. وكأنهما- النيل والترعة- آدم وحواء الذان أنجبا عشرات الأرياف والحضر بطول المسافة من أسيوط الى الجيزة
وهو شارع أحسبه يمتد عبر حياتى منذ بدأ الوعى حتى تبدلت الصور والأحوال

بدايـــــــــــــــــــــــــــــــة

تكون من تعامد شارعنا على كورنيش النيل ميدان فسيح أتذكره حين كنت طفلاً يمسك أبى بكفى ..و نعبره حتماً حين نتوجه لقريتنا الكائنة شرق النيل ..
لكن الطفل داخلى ينكر ما أصبح عليه الميدان الآن , فقد وضعوا به تمثالاً غريب الشكل لايمت للمكان بصلة .. وأحاطت به مبان جديدة حجبت النيل وتضاءل بينها الميدان الفسيح ..
إنفلت الطفل منى وانطلق يعدو وانا أتبعه متوجهاً نحو الشارع ..
وقفنا أنا وهو نرقب البداية الفريدة .. حيث يفصل النيل عن الترعة ( الخزان الصغير) هكذا يدعوه أهل البلد تمييزاً له عن الخزان الكبير وهو قناطر أسيوط الشهيرة..
لاحظت عندها ابتسامة على وجه الطفل فأدركت أنه يألف نقطة البداية بتفاصيلها التى لم تتغير قط منذ وعيه الأول .
أغمضت عينى محاولا استعادة منظر ورائحة أشجار الكافور الضخمة التى كانت تظلل المكان .. شقشقة العصافير التى تملأ الدنيا وتغطى على كل الأصوات .. ورطوبة شتاء أسيوط الدافئ

عبــــــــــــــــــــــــــــور

حين فتحت عيناى وجدت الطفل قد عبر الشارع الى الرصيف المقابل يلوح بذراعيه ويدعونى لألحقه, عندما وصلت حيث يقف- بجوار سور مدرسة الأمريكان الخاصة – لاحظت أنه أصبح أكبر قليلا , بعمر يقترب من عشر سنوات .. فى هذه السن التحقت بمدرسة الأمريكان الابتدائية الخاصة لأننى كنت أصغر من السن التى تسمح بالتقدم لنيل الشهادة الابتدائية من المدارس الحكومية
أخبرنى الطفل أنه قضى بتلك المدرسة عاماً واحداً ولكنه كان ذو أثر عميق فى حياته ..
إذ كان للمسيحيين بالمدرسة حضوراً بارزاً فهى مدرسة تحت إشراف كنسى وكان من ضمن مبانى المدرسة كنيسة صغيرة يجتمعون بها للصلاة قى أوقات معلومة ..
وكان بالمدرسة قسم داخلى أتاح لى التعرف على أطفال يأتون من مدن وقرى بعيدة عن أسيوط ..
وكما كنت هناك لصغر سنى , كان هناك من إلتحقوا بها لكبر سنهم ..
ومثل كل أقرانى كنت أذهب للمدرسة سيراً ولكن كان لى زميل يحضر كل صباح بسيارة ضخمة لها سائق يلبس زياً خاصاً مثل الأفلام القديمة ..
و خلال ( الفسحة ) كان يذاع علينا من الاذاعة الداخلية أغان لأم كلثوم
و كنا نلبس بمدارسنا الحكومية زياً موحداً .. أما بمدرسة الأمريكان تلك الأيام كان مسموحا بملابس متنوعة
كان ذلك عاماً للاختلاف والتنوع و التعرف على بشر أحببت وصادقت بعضهم ...

و كذلك اشكال للحياة كثيرة و جديدة , بعضها كان مدهشاً , وبعضها كان عجيباً , وأحياناً مخيباً للتوقعات.

وقـــــــــــــــــــوف

كنت اسير مع رفيقى ذو السنوات العشر بجوار سور المدرسة العريقة اثناء استرجاع ذكرياتنا المشتركة ..
وقفنا عند نهاية السور حين وجدنا شارعا جديدا لم يشهده الطفل من قبل ورغم كونه شارعاً عريضاً يتوسط بدايته عملاً تشكيلياً جميلاً .. كما أنه يفضى لأحد الأحياء السكنية الجديدة والراقية .. إلا أننى شعرت بحزن حين أدركت أن الشارع والمنطقة السكنية تم اقتطاع مساحتهما من حديقة المدرسة وأراض زراعية كانت تنتشر حول المكان
هممت أن أشرح له سبب حزنى , ومبعث إنزعاجى ..
لكنه أشار لمكان على الناحية المقابلة بدا لى مألوفاً .. وقبل أن تبدأ أسئلتى عن القصد والمعنى جذبنى للرصيف المقابل حيث الكورنيش المطل على الإبراهيمية ..

عبور ثــــــــــــــــــــــــــــان

وقفنا سوياً نستند على سور الكورنيش أشار هو بذراعه للناحية البعيدة من شاطئ الترعة ..
بدا رفيقى فى عمر المراهقة المبكرة , وهو يتذكر ويذكرنى بالمكان وأصداءه ..
الغريب أنه بدا بملابس ملونة لأكتشف الآن فقط أن الطفل الأول والثانى كانا يبدوان لى بالأبيض والأسود .
فى مرات قليلة كنت آتى لهذا المكان مع بعض الأصدقاء لصيد السمك .. وأحياناً وحيداً لأختلى بأفكارى وخيالاتى ..
هناك – حيث يشير الصبى– تقع بوابة سجن أسيوط , فى بعض الأوقات كنت أرى مجموعة من المساجين لاتتعدى أربعة أو خمسة يخرجون من بوابة السجن تحت حراسة مناسبة ويؤدون بعض المهام على حافة الترعة .. قد تكون المهمة تنظيف شئ ما , أوإلقاء مهملات , أو حتى للترفيه .. لا أذكر .. ولكن ما لم أنسه أبداً لون بزاتهم الزرقاء والتى لم تتبدل قط ..
أكد لى الصبى الواقف بجوارى أن الأزرق الزهرى ظل لأعوام كثيرة يعكس فى مخيلته الشقاء والاختناق !
بدا الصبى الخجول متضايقاً فدعوته للمشى قدماً نتبادل حديثاً يخرجنا من الضيق ..
حتى ظهر على الرصيف المقابل مكان مفعم بالذكريات .. وقفنا انا وهو ونظر كلانا للآخر وبدا وكأنه قرار متفق عليه ثم عبرنا الطريق صوب مدرسة ناصر الثانوية للبنين

عبور ثالــــــــــــــــــــــــث

اثناء عبورنا المشترك لاحظت توافق خطانا .. وعندما رفعت عيناى أنظر إليه وجدته - كما توقعت - فتى فى الخامسة عشرة من العمر .. فى هذا المكان بدأت أولى إرهاصات الرجولة .. هذا ما كانت تشى به إبتسامته
أول الأسئلة عن الجنس .. وإجابات غائمة وأحياناً مضللة
أول الصداقات الحقيقية .. وحين يكون الرجل سنداً لآخر
أول الأفكار العظيمة .. وكيف يمكن تغيير العالم من مجرد فكرة
أول الايمان بقدوة .. وعندما يكون مدرساً للتاريخ محترماً , جاداً , محباً لعمله , وأنيقاً أيضاً
أول جموح التعبيرعن الرفض .. وكان الصوت عالِِِ والحركة تلقائية والعقاب مستحقاً
حقاً كانت أول خطوات نحو الرجولة .. قالها وقد سرح بببصره بعيداً ..
ثم تغيرت ملامحه فجأة فبدت على وجهه سعادة حقيقية ..
إستأذن بعبارة مقتضبة وعاد يعبر الشارع وأنا اقف متعجباً من تصرفه المفاجئ .. ولكن الغموض زال حين وصل للرصيف المقابل وعلمت سبب سعادته ثم إستئذانه

تحليـــــــــــــــــــــــــــــق

لحق صاحبنا وقد أصبح شاباً فى العشرين بفتاة فى مثل عمره .. كانا منسجمين وكانت خطواتهما الواثقة تعكس أملاً فى المستقبل .. كان يبدو عليها السعادة وهو لايكف عن الحديث .. وكان سور الكورنيش مع ظلال الأشجار الوارفة وصوت العصافير يكمل المنظر البديع .. ورغم انى لم اسمع حوارهما إلا أن الرومانسية التى غمرت المشهد جعلتنى ارقبه عن بعد ..
حرصت ألا يغيب المشهدالجميل عن ناظرىّ ولكن من الرصيف الآخر ..
كانا يحلقان فى عالم آخر و لم أشأ أن أعكر صفو الحالة التى يقضيانها ..
بدأت أتحرك متتبعا خطاهما .. بحيث لاأسبق ولا أتأخر عن خطواتهما المحلقة ..
لم أشعر أننى خارج الزمان والمكان إلا حين إرتطمت فجأة بجسم صلب يعترض الرصيف الذى أمشى عليه ..
تبينت انه كشك يقبع فيه حارس مسلح لمبنى حكومى هام ..
أسرعت الخطى أنأى عن المكان وايضاً عن الذكرى

نـــــــــــــــــــأى

دخلت هذا المبنى منذ سنوات أطلب مقابلة أحد "الباشوات" هكذا أمرنى زائران طرقا بابى أثناء إجازة عمل كان خارج الوطن .. فأدخلونى صالة الانتظار .. فوجدت آخرين ينتظرون .. ثم جاء أحد الزائرين الذين طرقا بابى سابقاً وإنتحى بى جانباً ثم فتح دفتراً حكومياً وبدأ يكتب ..
بياناتك ..؟ عملك ..؟ أين ..؟ لماذا ..؟
قضيت بهذا المكان ما يقرب من نصف الساعة .. ولكن الأسئلة التى أ ثارت وعيى كانت أطول حضوراً وأعمق أثراً
هل يختلف أمن الوطن عن أمن المواطن ..؟ أمنى أنا شخصياً ؟
هل يكون المسؤل عن أمن الوطن أمينا حين يتعدى على خصوصية المواطن ؟
هل يتحقق أمن الوطن بأوراق يملأها موظف متوسط أو منخفض التعليم ؟
هل يتحقق أمن الوطن بأسئلة عن مدى الشذوذ الجنسى لحاكم هذه الدولة أو تلك ؟ أو لم أطلقت لحيتك ؟ أو عم يتحدث المصريون خارج وطنهم ؟
وكما يمتلك هذا الجهاز المسؤل عن أمن الوطن كل هذه المعلومات عن مواطنيه فهل يمتلك مثلها عن أعدائهم ؟
ومع تدافع الأسئلة .. وتسارع خطواتى مبتعداً عن المكان .. وجدت نفسى قرب نهاية الشارع أو بالأحرى ما كان سابقاً نهاية الشارع , إذ أن الأحوال إختلفت والموقع زالت منه الألفة وأنكرته الحواس ..

منتــــــــــــــــــــــــهى

كان شريط السكك الحديدية يضع نهاية أنيقة لشارع الإبراهيمية وكان لا يعبره إلا من كان يقصد سفراً للشمال ..
أما الأناقة فكانت تتمثل فى الكوبرى الحديدى الذى يعبر بالقطار فوق الترعة
وكانت هذه النهاية تفضى لشارع يوازى شريط القطار الذى يؤدى بدوره لوسط المدينة حيث محطة القطار ..
وكان عند هذه الزاوية مصنع لتعبئة البرتقال أذكر مشهد عماله .. فتيات صغيرات يلبسن زياً موحداً, يبهجن النفس ذاهبات وآيبات .. أما الجانب المقابل من الترعة فكان مساحة خضراء بلا حدود ينتشر بها النخيل فى تجمعات عشوائية مثل تجمع اطفال القرية فى يوم عيد .
الآن فقد القطار حكمه على نهاية الشارع وأصبح هناك نفقاً يزحف تحت خط السكة الحديد نافذاً من الجهة الأخرى وجاعلاً لشارع الإبراهيمية إمتداداً من صخب المقاهى وأضواء النوادى وجنون السيارات .
و فى مكان مصنع البرتقال انتصبت ابراج ضخمة هى مثال كامل للقبح والعشوائية .
وحتى الجانب المقابل من الترعة إختفت نخيله وخضرته وسكنته نفس أمثلة القبح والعشوائية .
بذلك زالت الألفة وإضطربت الحواس ...

إيــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب

بدأت أتلفت حائراً , أبحث عن إتجاه للخروج .
حين بلغت الحيرة مداها , وأحسست بالوحدة بين ما غيرته الأيام والأحداث .. عزمت أن ألوذ بمواضع الألفة , وصحبة الأحباب
والأقران , فوليت وجهى عائداً إلى حيث خطى العاشقان , ولكنهما لم يكونا هناك , وظهر فقط المبنى موضع الأسئلة الثقيلة .. فأسرعت متجاوزاً المكان والذكرى ..
وجدت نفسى أمام المدرسة الثانوية عند مواقع خطى الرجولة الأولى , لكن لم أجد الفتى ولا أصدقاءه الحقيقيين ..
تلفتت حولى .. واطللت على شاطئ الترعة حيث كان الصبى يسرح بخياله .. فبدت بوابة السجن من بعيد تكسو الأفق بالأزرق الزهرى فأختنق بالمعنى .. وأسرع بالهرب .. وأعدو .. لعلى ألحق بطفل الأبتدائية صاحب الدهشة .. والتجارب الطازجة .. وكذلك لم يبق إلا الشارع الجديد الذى إبتلع حدائق وداس زروعاً
عندها خاب الرجاء .. وزاغ الهدف ..
وصلت إلى موضع البداية منقطع الأنفاس , مكدود الجسد , مثقل الروح
أغمضت عيناى محاولاً تغيير المشهد حيث أن الوحدة تفرغ النفس من الأنس والعين تزوغ حين تفقد الألفة ..
عند هذا الحال أحسست هواءً باردا برائحة الكافور القديمة يداعب وجهى المجهد وتناهى لسمعى شقشقة العصافير وملمس ناعم يستقر بكفى ..
حين انتبهت وجدته أمامى يبتسم ويضع كفه الصغير بكفى مثل ماكنت أضعه بكف أبى أثناء عبورناً الميدان القديم ..
عندها هدأ القلب , وعاد الأمل , وأنكشف ضوء انار وجهه الصغير ..
فبدا لى واضحاً .. منيراً .. ملوناً .. ويشبهنى كثيراً ..
ضممت كفى بقوة على كفه .. دعانى لنبدأ رحلة جديدة عبر شارع الإبراهيمية .. ولأحكى له عن أماكن , وأحوال , وأناس , وأيام .. ولعلنا نبلغ ما وراء المنتهى ..
فما عادت تلازمنى وحشة فى صحبته .. وبحضوره تغيرت أحوالى .. حتى أن إسمى تبدل ليقترن بإسمه .. فأصبحت .. ( أبو نديم )

القاهــــــــــــــــــــرة - يناير - 2010
اللوحة والنص اهديهما له متمنياً له أياماً أفضل وذكريات أجمل