أكاد



( أكاد أرى الله عند نهاية حرف الواو فى كلمة هـــــــــو )

إبن عربى

الاثنين، 8 نوفمبر، 2010

طيـــــــــــــف


حين أرخى جسده المنهك على سرير العمليات .. غرقت عيناه فى فضاء أبيض ..

الحوائط يكسوها بلاط أبيض .. والسقف والأرضية .. ومفارش السرير وطاولات الأجهزة الطبية .. وملابس الأطباء ومساعديهم .. كل شيئ أبيض إلى حد الوهن .

بعد أن ودَع أحبابه وأصحابه , أسلم نفسه لناس لايعرفهم .. سيجرى كبيرهم عملية جراحية فى قلبه الموجوع منذ وقت طويل ..

لا يعلم هل يجعل الله بيد هذا الطبيب نهايته أم شفاءه ؟

بدأ يتطلع للطبيب وكأنه يراه لأول مرة محاولاً أن يتحقق من مهارته التى صنعت شهرته .. تعلقت عيناه بعينى الطبيب .. متوسلاً فى صمت .. حتى أنه لم يعد يرى فى الفراغ الأبيض الفسيح إلا هو .. بل إن وجهه فقط هو ما يظهر دون جسده الذى ذاب بياضه فى الفراغ المضىء من حوله .

ولكن حتى وجهه أصبح لا يتضح منه إلا عيناه فقد كان يخفى رأسه بغطاء أبيض وباقى وجهه عليه كمامة بيضاء

صار الفراغ بياضاً لاينتهى .. أودع ذلك فى قلبه الموجوع خوفاً عميقاً ..

إقتربت العينان المعلقتان بالفراغ من وجهه .. تطمئنه وتهدىء من خوفه .. رأى حينها عينان دافئتان , بهما حنان لم يعهده منذ أمد بعيد .. لكن طبيبه المشهور كان له عينان باردتان أثارتا إنتباهه منذ اللقاء الأول ..

تساءل بقلق :

- من أنت ؟ ..

أجابه الطيف ذو العينان الدافئتان :

- لاتخف .. أنا هنا معك ..

- أين الطبيب ؟ وما هذا المكان الغريب ؟

- إهدأ .. دعنى أساعدك

- كيف تساعدنى ؟ .. لابد أن هذه هى نهاية الرحلة .. ! ولا أظنك إلاَ ملك الحساب .. !

- لا .. لست ملاكاً .. ولا أدرى إن كانت هذه نهاية الرحلة .. فلعلها تكون البداية .. !

- كيف البداية وهذا القلب الكسيح ..؟

- وماذا ترى أصاب قلبك ؟

اشاح الرجل بوجهه بعيداً عن الطيف السابح فى الفضاء الأبيض وسرح بنظره .. فبدا وكأنه يقرأ من كتاب بعيد ..!

- تراكمت الهموم والشجون عبر معارك الحياة الشرسة .. هزائم وإحباطات وظلم زرعت فىٌ قسوة .. وران على القلب ظلام وجشع , ومع الأيام تراكمت شرور وأطماع , خلفت ضغوطاً وأوجاع , ظل قلبى يصارعها حتى صرعته

إقترب الطيف من الرجل .. كانت عيناه معترضتان .. وعند تلاقى عيونهما قال الطيف بصوت خفيض .

- ولكنه لازال قلباً طيباً

أخرج الطيف كفين يحويان قلباً داكناً يغمره دمٌ قان .. وتنتشر عليه بقع سوداء

شهق الرجل فاغراً فمه , محدقاً فى القلب أمامه .. ولكنه تجمد غير قادر على الحركة وقد تملكه شعور قوى بالخواء ..

قرب الكفان ما يضمان إلى وجه الرجل , ومشيراً بإصبع إلى موضع على القلب قال الطيف للرجل :

- أنظر لهذا الموضع لقد خفق حزناً حين كنت طفلاً بسبب طائر سقط محتضراً فى حديقة منزلك ..

وعندما مسح الإصبع الموضع الذى أشار إليه ظهرت نقطة بيضاء فبدت مضيئة على سطح القلب الداكن ..

- وهنا ألا تعلم أن هذا الموضع إهتز رحمةً بسيدة عجوز – منذ سنوات – طلبت منك أن تعبر بها شارعاً مزدحماً وقد فعلت دون تذمر ..

ثم فعل الإصبع ما فعله من قبل وظهرت بقعة ضوء أخرى ..!

- وهذه الزاوية ألم ترتجف جزعاً حين رأيت أمك المريضة فجلست عند قدميها محتضناً يدها وراجياً شفاءها

- وهنا مكان لصديق قديم إقتسمت معه قروشاً قليلة كانت هى كل ما تملك .

- وهنا منذ سنوات خلت .. إمتلأ هذا الجزء خشوعاً حين وقفت وحيداً فبكيت وأنت تناجى الله سبحانه

ظلت عيناه تتابعان إنتشار النقاط المضيئة تحت حركة الإصبع .. ناقلاً بصره بين القلب وعينى الطيف الدافئتين ..

بين التعجب والرضا وجد قلبه قد غلبت عليه البقاع البيضاء .. عندها وضع الطيف قلباً وردياً ينبض على صدر الرجل .. وعاد الكفان أبيضان بغير سوء يذوبان فى الفراغ المضئ ..

- وكيف عرفت عنى كل هذا ؟

هنا سقط اللثام الذى كان يغطى نصف وجه الطيف وأزاح عن رأسه غطاءها.. فبدا له وجهاً يعرفه حق المعرفة

كان وجهاً يراه أيام زمان حين ينظر إلى المرآة .


القاهرة - نوفمبر - 2010

اللوحة للفنان التونسى الكبير نجا المهدوى