أكاد



( أكاد أرى الله عند نهاية حرف الواو فى كلمة هـــــــــو )

إبن عربى

السبت، 15 يناير، 2011

حواديت البيوت

طلعت الشمس كعادتها على قريتنا فأضاءت شواشى أعواد الحطب الراقدة فوق أسطح البيوت الفقيرة .. ومع إنسدال ضوئها رويداً رويداً على حوائط البيوت وأفنيتها الضيقة تصحو البهائم والطيور ثم النساء والرجال والأطفال وأخيراً تصحو حواديت البيوت .. وإحداها كانت حكاية عروسة – وردة - وأمها ..

****

عروسة :

أنا أصلى عروسة قماش محشية قطن من زبالة تنجيد لحاف .. عملتنى من ييجى عشر سنين أم لبنتها الصغيرة .. بعد ما خيطت جسمى من خيوط فرحتها كحلت عينىّ بالمرود وخطت شفايفى بقلم أحمر.. وكمان لبستنى فستان من قصاقيص جلابيتها القديمة بس أحلى حاجة كانو ضفيرتين من شعر المعزة .. طالعين من تحت "حردة" صغيرة عليها ترتر بيلمع !

وكنت باحب البت وردة صاحبتى قوى وهى كمان كانت بتحبنى .. طول النهار ماسكانى فى إيدها وتاخدنى معاها فين ما تروح .. وباليل تاخدنى فى حضنها وننام لحد الصبح .. وساعات لما يكون مفيش حد شايفنا كانت ترضعنى من صدرها الصغير , ساعتها كنت بأحس إنى بأشبع من حنانها وأفضل أرضع لحد وردة ماتشبع لعب .

وفى يوم جه يزور البيت عم البت وردة ومعاه بنته سعدية اللى كانت أصغر من وردة .. وأول سعدية ما شافتنى شبطت فىّ وراسها وألف صرمة لازم تاخدنى معاها .. وأنا ماكنتش عايزة , ولا وردة كمان .. بس أنا مش بأتكلم , ووردة قعدت تعيط , لكن سكتت لما إدوها قمع عسل وبريزة فضة ..

فى الآخر روحت مع البت سعدية اللى ما حبيتهاش .. وبعد ما رمتنى يمين وشمال .. فضلت مرمية تحت الكنبة يوم ورا يوم ويظهر سعدية نسيتنى وكمان وردة نسيتنى .. وما عادش فيه حضن أنام فيه بالليل ولا صدر صغير أرضع منه .. ولا بنت تلعب معايا لحد ما تشبع


****

وردة :

قالولى من زمان البت الجدعة لازم تسمع الكلام .. حتى لما خدوا منى عروستى اللى ماكنش عندى لعبة غيرها , قالولى إنتى كبرتى ومايصحش تلعبى بالعروسة .. سمعت الكلام .

ومن سنة أبويا قال ماتروحيش المدرسة تانى علشان الناس ما يصحش تشوفنى رايحة وجاية .. وأنا قلت حاضر . بس ساعتها إنبسطت لأنى كنت مش بأحب المدرسة , والمدرسين كانوا بيضربونا علشان ما بناخدش دروس .. قلت بركة يا جامع وبقيت أساعد أمى فى البيت .. لأنها شقيانة طول النهار ما بترتاحش من تنضيف لغسيل لخبيز لطبيخ لكل حاجة تلزم البيت وطلبات أبويا وإخواتى الأربعة .. وأمى كمان كانت مبسوطة وقالتلى البت ماليهاش إلا بيتها وجوزها فى الآخر . واكيد هى بتحبنى وعارفة مصلحتى ..

ومن كام يوم أمى قالتلى إن فيه عريس كلم أبويا وهو وافق عليه .. وإنه هياخدنى معاه .. أصله من الخليج .. وكمان هيجيب لى هدوم وأكل وغوايش دهب .. بس مش عارفة أمى كانت عينيها مدمعة وهى بتحكى عن العريس وعن السفر .. ولما سألتها .. حضنتنى جامد وقالتلى هاتوحشينى ياضنايا ..ساعتها إفتكرت عروستى اللى خدوها منى .. وعيطنا إحنا الأتنين .


****

أمّها :

البت وردة ليها معزّة زيادة عن إخواتها الولاد , ما هى بتى الوحيدة .. والله ما هاين عليّ أفوتها .. بس النصيب .

قالولى النسوان بلاش تديها للراجل العربى دا كبير وتلاقيه متجوز فى بلده , ويمكن مخلف كمان .. وأهى النسوان كلامها كتير .. ومدام هيعقِد عليها فى الحلال يبقى خلاص .. النصيب ..

وبعدين أبوها كمان مصمم يتمم الجوازة , بيقول لى إن الراجل اللى موكله يعقد على البت هييجى النهارده وهيدفعلنا خمس تلاف جنيه ..

والعيشة صعبة , والعيال كبرت , ولافيه شغل , ولا أرض تتزرع , هنعمل إيه يعنى .. أهو نصيبنا ونصيبها كده ..

صحيح الراجل الوكيل ده عمرى ما إستريحت له , بيقولوا عليه محامى من البندر .. جوِز بنات ياما من البلد ...

وفيه منهم اللى رجعت متطلقة بعد شهر .. واللى بعد شهرين , وفيه اللى ما رجعتش خالص وأهلها بيقولوا متجوزة ومبسوطة .. وكل واحدة بتاخد نصيبها ..

هيفضل قلبى بياكلنى على البت لحد ما أطمِن وربنا يستر عليها .. واللى ربنا يقسم بيه لازم نلاقيه .. ومش حيصيبنا إلاّ نصيبنا .

****


حين بدأت الشمس هبوطها خلف بيوت القرية أرخت العتمة على الحوائط والدروب مسحة من الحزن ..

كان حزناَ يليق بحكاية أم تقف على باب بيتها تراقب من خلال دموعها بنتها الحبيبة تبتعد الى نصيبها المجهول ..

وبنت يدفعها أبوها إلى رجل غريب عقد عليها القران وكيلاََ عن آخر .. تتعثر خطواتها الصغيرة .. وتبتلع دموعها التى تغبش صورة الطريق المظلم أمامها .

وعروسة من القماش ملقاة فى ركن مظلم .. لايعبأ بها أحد .

القاهرة

نوفمبر 2010

اللوحة رسمتها 1995 -جواش على كرتون