أكاد



( أكاد أرى الله عند نهاية حرف الواو فى كلمة هـــــــــو )

إبن عربى

السبت، 21 مايو 2011

روح الميدان



كان الميدان ساحة خاوية من القيمة .. لذلك كانت تشكو شوارعه من إضطراب الإتجاه .. ونواصيه من إختلاف الرؤية .. ومبانيه من فقدان المعنى .
فاستجارت المدينة بحكمائها وحكامها ..علهم يستطيعون شفاء إبنها القريب إلى قلبها ..
وحين لم تجدى خبراتهم ولا مهاراتهم لإنجاز العمل .. ما كان منها إلا أن أشاعت فى طول البلاد وعرضها رجاءها لإنقاذ الميدان .
فوقف على باب المدينة جموع من عامة الناس يلبون النداء.
ويودون إغاثة الميدان .
أولهم كان نحْاس ينقش الأوانى , نصح أن يضيف للميدان نتاج خبرته ..وسر صنعته .. العلامات .
وثانيهم كان خبازاً , أقسم أن ليس للميدان إلا ما ينضج به الخبز مانح الحياة للأحياء وقدم .. الحرارة
وثالثهم كان الفخرانى الذى قدم سره الذى يخلق به من الطين فنه .. لمسات .
وآخر كان نافخاً للزجاج , بذل أعز ما وهبه الله .. أنفاساً من روحه.
وحداداً , قدم ما تعود به قهر الحديد .. عناده .
وكذلك نجاراً كان يصنع من قطع الخشب ذكراً وأنثى ..قدم عشقاً
وفلاح ظل آلاف السنين يزرع الخير .. أعطى من صبره وحيلته.
ونساج أتقن نظم الخيوط كساءً وفرشاً .. أعطى نظاماً وتجانساً .
وبناء أجاد إقامة الجدران أعطى إستقامة وإعتدال .
وشاعراً يمسك ربابة .... أعطاه من حسه .
ثم ولد وبنت أعطيا أملاً .
وأخيراً .. طفلة أضفت على الجميع براءة .
ومن كل ما وهب الناس له ..
تجسدت من جديد روح الميدان .

القاهرة 8-5-2011

السبت، 7 مايو 2011

هل يرانى الناس ؟


سؤال أيقظنى وقد كنت نائماً , ونبهنى حين كنت غافلاً .. ملت برأسى طارحاً السؤال على من يجلس بجوارى , وقد تملكنى شعور بأنه النبىّ – صلى الله عليه وسلم – فقد كان مرتفعاً رغم جلوسه على الأرض , وكنت أتعلق بطرف ثوبه , سعيداً بقربه , كما كان يحيط به جمع غفير من الناس ينتظمون جلوساً فى صفوف تشبه صفوف الصلاة ..
رنا ببصره إلىّ فوجدت عيناه جميلتان ودافئتان وعميقتان ..
تماماً مثل عينا أبى ..
تراجعت قليلاً فرأيت أبى هو الجالس جانبى , وكان يلبس عمامة النبىّ ..
ساد المشهد صمت لم يدم طويلاً .. حين برز السؤال ثانية ..
ياأبى هل يرانى الناس ؟
إبتسم , ومال علىّ هامساً : يراك الناس حين تراهم .. إذهب وأنظر إليهم .. قمت وتوجهت ناحية الجمع الذىفقد إنتظامه السابق .
فبرز أحدهم أمامى , وأشار بإصبعه قائلاً بهدوء :
لايتنازل الكاتب أبداً ليرضى عنه القارئ , وكذلك يفعل المعمارى !
كان هذا جمال الغيطانى .. كاتبى المفضل , بسمته الصعيدى الذى أحبه
وحين ذكر المعمارى رأيت عن بعد عجوزاً يلبس عباءة عربية ويجلس أمام لوحة للرسم ..
كان شيخ المعماريين حسن فتحى , الذى رفع رأسه وقال:
لايستطيع رجل واحد بناء بيت لنفسه , ولكن عشرة رجال يستطيعون بناء عشرة بيوت .
لمعت الفكرة أمامى مشهداً لبيت جدى يتعاون فى بناءه أبى وأعمامى كما حكوا لنا ..
فظهر جدى مصدقاً على الرواية.. فرأيته طويلاً ونحيلاً , يلبس جلبابه الواسع , وعمامته الكبيرة , وعلى وجهه إبتسامة واسعة .. تكشف خلو فمه ونقاء قلبه ..
قال حين رآنى ( يا ولدى اللقاء نصيب ) كانت هذه عبارته الأخيرة , فرحت لرؤيته .. وذهبت أقبل يده كما كنت أفعل فى عهد الطفولة ..
حين رفعت رأسى أنظر إليه وجدته شيخى ومعلمى محمد الغزالى , وقوراً وسمحاً .. علمتنى كتبه ومقالاته كيف يكون الإعتدال , ووسطية التدين , ومراجعة المسلمات ..
فعدت ثانية أقبل يديه وفى ضميرى أنى أقبل يد كل من علمنى ..
شاهدت حينها أحدهم .. يمد يده فأصافحه , الأستاذ حسنى الخراط مدرس التاريخ أثناء مرحلتى الثانوية .. يلبس بذلته الأنيقة , ورابطة عنق تقليدية , يعرض قصص التاريخ بحياد وجدية وبساطة .. فقد كنت أرى تلك الصفات تصبغ ذلك العصر ..
وكأننى شممت عبق الماضى .. فظهر جمال عبد الناصر .. وسيماً , مهيباً , تعلو قامته على كل الناس حوله .. يعقد يديه خلف ظهره , وتبدو على وجهه علامات حزن ..!
إقتربت منه , وخاطبته :
كنت لجيلى كله القدوة والأمل .. زرعت فينا عزةً وفخار.. وصدقنا كل ما قلته , ولكن ..! لم تثق بنا كما وثقنا بك ..
فإبتعد الزعيم عنى حتى بدأت أرفع صوتى ليسمعنى :
أسلمتنا لسيئ .. ليسلمنا لأسوأ منه ..
فإبتعد أكثر .. وصحت :
كنت تسطيع أن تجنبنا ما نحن فيه لو تركت لنا حرية الإختيار ..
فابتعد حتى صار حجمه مثل باقى الناس وضاع فى الزحام ..
ليرحمك الله , قلتها وطعم الهزيمة لايزال فى حلقى ..!
أخرجنى ظهوره المفاجئ من إحباطى .. كان نحيلاً , أسمر اللون , له عينان متقدتان , وفم واسع لا يليق إلا بشاعر .. قال فى تحدِ :
لاتصالح .. ولو أعطوك ملء الأرض ذهباً .. لا تصالح .. هو أمل دنقل , الجنوبى , الذى لا يخشى إلا إثنتين .. المرأة .. , والآلة الحاسبة …
من التحدى إنقشع الجمع عن رجلين بهيين .. يضع كل منهما يده على كتف الآخر .. فعرفتهما .. إبراهيم الرفاعى و صلاح الدين الأيوبى ..ورأيت خلفهما عن بعد قبة الصخرة وأبراج كنيسة القيامة ..
فاعترانى شوق .. وسمعت صوت يسرى ..
كل شوق يسكن باللقاء ... لايعول عليه .
هذا صوت الصوفى الكبير محيى الدين بن عربى .. وجدته يستند على كتب كثيرة .. ويحيط به جمع من الناس .. منهم عرفت الفنان التشكيلى الشهيرفان جوخ .. ثم رأيت باولو كويلهو الروائى البرازيلى الكبير . وأيضاً تشى جيفارا الثائر اللاتينى .. فكيف يلتفون حول شيخ لا يدينون بدينه ولايتكلمون لغته ؟
قال فان جوخ عندما أرسم زهرة بلون أصفر أصبح أنا الأصفر ..
وقال كويلهو إن الله قد خط لكل منا طريقه وما علينا إلا أن ننتبه لما فى الطريق من علامات ..
لكن جيفارا لم يكن بحاجة لقول شئ فقد دفع حياته ثمناً لمبادئه ومثله العليا متخلياً عن المنصب والمال ومتع الحياة ..
وقفت مأخوذاً بالمعنى .. فوجدتنى عند موضع البدء ...
وجدت أبى .. جالساً يقرأ مصحفه ..ولايشعر بوجودى .. فجلست بجواره فانتبه .. تلاقت عيوننا بصمت .. إبتسم وأخذ برأسى فوضعها بحجره ..
فأرخيت جفونى .. وتمنيت أن تكون رأسى فى حجر النبى .. ولازال سؤال يتردد صداه عندى ..
هل حقاً يرانى الناس ؟ .......
القاهرة فى 3-5-2011