أكاد
( أكاد أرى الله عند نهاية حرف الواو فى كلمة هـــــــــو )
إبن عربى
السبت، ٢١ مايو ٢٠١١
السبت، ٧ مايو ٢٠١١
هل يرانى الناس ؟
سؤال أيقظنى وقد كنت نائماً , ونبهنى حين كنت غافلاً .. ملت برأسى طارحاً السؤال على من يجلس بجوارى , وقد تملكنى شعور بأنه النبىّ – صلى الله عليه وسلم – فقد كان مرتفعاً رغم جلوسه على الأرض , وكنت أتعلق بطرف ثوبه , سعيداً بقربه , كما كان يحيط به جمع غفير من الناس ينتظمون جلوساً فى صفوف تشبه صفوف الصلاة ..
رنا ببصره إلىّ فوجدت عيناه جميلتان ودافئتان وعميقتان ..
تماماً مثل عينا أبى ..
تراجعت قليلاً فرأيت أبى هو الجالس جانبى , وكان يلبس عمامة النبىّ ..
ساد المشهد صمت لم يدم طويلاً .. حين برز السؤال ثانية ..
ياأبى هل يرانى الناس ؟
إبتسم , ومال علىّ هامساً : يراك الناس حين تراهم .. إذهب وأنظر إليهم .. قمت وتوجهت ناحية الجمع الذىفقد إنتظامه السابق .
فبرز أحدهم أمامى , وأشار بإصبعه قائلاً بهدوء :
لايتنازل الكاتب أبداً ليرضى عنه القارئ , وكذلك يفعل المعمارى !
كان هذا جمال الغيطانى .. كاتبى المفضل , بسمته الصعيدى الذى أحبه
وحين ذكر المعمارى رأيت عن بعد عجوزاً يلبس عباءة عربية ويجلس أمام لوحة للرسم ..
كان شيخ المعماريين حسن فتحى , الذى رفع رأسه وقال:
لايستطيع رجل واحد بناء بيت لنفسه , ولكن عشرة رجال يستطيعون بناء عشرة بيوت .
لمعت الفكرة أمامى مشهداً لبيت جدى يتعاون فى بناءه أبى وأعمامى كما حكوا لنا ..
فظهر جدى مصدقاً على الرواية.. فرأيته طويلاً ونحيلاً , يلبس جلبابه الواسع , وعمامته الكبيرة , وعلى وجهه إبتسامة واسعة .. تكشف خلو فمه ونقاء قلبه ..
قال حين رآنى ( يا ولدى اللقاء نصيب ) كانت هذه عبارته الأخيرة , فرحت لرؤيته .. وذهبت أقبل يده كما كنت أفعل فى عهد الطفولة ..
حين رفعت رأسى أنظر إليه وجدته شيخى ومعلمى محمد الغزالى , وقوراً وسمحاً .. علمتنى كتبه ومقالاته كيف يكون الإعتدال , ووسطية التدين , ومراجعة المسلمات ..
فعدت ثانية أقبل يديه وفى ضميرى أنى أقبل يد كل من علمنى ..
شاهدت حينها أحدهم .. يمد يده فأصافحه , الأستاذ حسنى الخراط مدرس التاريخ أثناء مرحلتى الثانوية .. يلبس بذلته الأنيقة , ورابطة عنق تقليدية , يعرض قصص التاريخ بحياد وجدية وبساطة .. فقد كنت أرى تلك الصفات تصبغ ذلك العصر ..
وكأننى شممت عبق الماضى .. فظهر جمال عبد الناصر .. وسيماً , مهيباً , تعلو قامته على كل الناس حوله .. يعقد يديه خلف ظهره , وتبدو على وجهه علامات حزن ..!
إقتربت منه , وخاطبته :
كنت لجيلى كله القدوة والأمل .. زرعت فينا عزةً وفخار.. وصدقنا كل ما قلته , ولكن ..! لم تثق بنا كما وثقنا بك ..
فإبتعد الزعيم عنى حتى بدأت أرفع صوتى ليسمعنى :
أسلمتنا لسيئ .. ليسلمنا لأسوأ منه ..
فإبتعد أكثر .. وصحت :
كنت تسطيع أن تجنبنا ما نحن فيه لو تركت لنا حرية الإختيار ..
فابتعد حتى صار حجمه مثل باقى الناس وضاع فى الزحام ..
ليرحمك الله , قلتها وطعم الهزيمة لايزال فى حلقى ..!
أخرجنى ظهوره المفاجئ من إحباطى .. كان نحيلاً , أسمر اللون , له عينان متقدتان , وفم واسع لا يليق إلا بشاعر .. قال فى تحدِ :
لاتصالح .. ولو أعطوك ملء الأرض ذهباً .. لا تصالح .. هو أمل دنقل , الجنوبى , الذى لا يخشى إلا إثنتين .. المرأة .. , والآلة الحاسبة …
من التحدى إنقشع الجمع عن رجلين بهيين .. يضع كل منهما يده على كتف الآخر .. فعرفتهما .. إبراهيم الرفاعى و صلاح الدين الأيوبى ..ورأيت خلفهما عن بعد قبة الصخرة وأبراج كنيسة القيامة ..
فاعترانى شوق .. وسمعت صوت يسرى ..
كل شوق يسكن باللقاء ... لايعول عليه .
هذا صوت الصوفى الكبير محيى الدين بن عربى .. وجدته يستند على كتب كثيرة .. ويحيط به جمع من الناس .. منهم عرفت الفنان التشكيلى الشهيرفان جوخ .. ثم رأيت باولو كويلهو الروائى البرازيلى الكبير . وأيضاً تشى جيفارا الثائر اللاتينى .. فكيف يلتفون حول شيخ لا يدينون بدينه ولايتكلمون لغته ؟
قال فان جوخ عندما أرسم زهرة بلون أصفر أصبح أنا الأصفر ..
وقال كويلهو إن الله قد خط لكل منا طريقه وما علينا إلا أن ننتبه لما فى الطريق من علامات ..
لكن جيفارا لم يكن بحاجة لقول شئ فقد دفع حياته ثمناً لمبادئه ومثله العليا متخلياً عن المنصب والمال ومتع الحياة ..
وقفت مأخوذاً بالمعنى .. فوجدتنى عند موضع البدء ...
وجدت أبى .. جالساً يقرأ مصحفه ..ولايشعر بوجودى .. فجلست بجواره فانتبه .. تلاقت عيوننا بصمت .. إبتسم وأخذ برأسى فوضعها بحجره ..
فأرخيت جفونى .. وتمنيت أن تكون رأسى فى حجر النبى .. ولازال سؤال يتردد صداه عندى ..
هل حقاً يرانى الناس ؟ .......
القاهرة فى 3-5-2011
السبت، ١٦ أبريل ٢٠١١
مصر التى عادت من التحرير
الجمعة، ٢٥ مارس ٢٠١١
إعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلان
مطلوب لشغل وظيفة رئيس جمهورية مصر العربية وذلك لفترة أربع سنوات فقط ويجب أن يتوفر فى المتقدم للوظيفة الشروط الآتية :
- أن يكون مصرى الجنسية
- لا يقل عمره عن أربعين سنة
- متزوج أو يقدس الحياة الزوجية
- قمحى اللون – عيونه عسلية – دمه خفيف
- يشجع الزمالك كما يشجع اللعبة الحلوة حتى لو كانت من واحد أهلاوى
- يجلس على القهوة ويدخن الشيشة
- يأكل فول وطعمية مضطراً ... ويتعامل مع الكباب و الكفتة بالإحترام اللائق
- يقبل رأس أمه ويد أبيه – ويدلل إخواته البنات
- يجلس يوم الجمعة مع أولاده فى البيت أو يزور حماته
- يتأثر بصوت عبد الباسط عبد الصمد أو الطبلاوى
- يعشق صوت أم كلثوم أو عبد الوهاب ويسمع عبد الحليم وفيروز
- يكون فى إيده صنعة علشان بعد أربع سنين يلاقى شغلانة ياكل منها عيش
- يكون معاه رخصة قيادة لزوم التقشف لأننا مش هنجيبله سواق
- يكون بيسمع الكلام ولما نقوله يمشى يمشى على طول وما يستعبطش
- ألا يكون إسمه معمر أو على صالح أو زين العابدين أو أى من اللى ما يتسموش
من يجد فى نفسه الكفاءة ويتحقق فيه جميع الشروط السابق ذكرها أن يتقدم حاملاً ما يثبت مؤهلاته
ولو إنى أشك فى توفر هذه الصفات فى أحد ... ولذلك فإنى أرشح نفسى على المبادئ التى وضعتها بنفسى ولنفسى .
القاهرة – 24 – 3 - 2011
السبت، ٢٦ فبراير ٢٠١١
الحج إلى ميدان التحرير
* نويت مخلصاَ التوجه للميدان بعد صلاة جمعة الغضب .. فيما إعتقدت أنه أداءً لفرض ...
فالتحقت بجمع صغيرخرج من المسجد .. كانوا يلبون ويهللون .. تلبية المؤمنين بهدفهم والمخلصين لوطنهم ..
فزاد الجمع آلافاً من المؤمنين المخلصين , يجدّون سيراً إلى الميدان ..
* تجمع على صعيد الميدان ملايين المحبين الذين لبوا النداء ..
كلهم رجاء وتوسل لله أن يحقق آمالهم .. منهم من يجأر بشكواه ويصرخ بدعواه ..
ومنهم من يتبادلون آراءً ونقاشات يبنى بها رؤية .. ومنهم من يحكى تجربة أو يطرح قضية أو يقدم إقتراحاً .. ومنهم من يصلى ويدعو إلاهاً واحداً بطرق مختلفة ..
ومنهم من نذر جهده لخدمة الباقين سقاية وتنظيماً وتنظيفاً وخلافه ..
* حين قمت أطوف بالدائرة التى تقع بوسط الميدان وأردد مع الجميع دعوات للتغيير والإصلاح , وأهتف كالجميع شوقاً وأملاً فى مستقبل أعدل وأجمل .. رأيتهم جميعاً رغم إختلاف أعمارهم وأجناسهم وأشكالهم .. , مثل كل الحجيج يبدون حباً , وصدقاً , وأملاً فى المستقبل .
* عندما نادى منادٍ أن دافعوا عن الميدان .. وأن الشر يهاجم حلماً كاد أن يتحقق ..
علمت حينها أن الوقت قد حان لرمى الجمرات .....
* وحين إكتملت الشعائر وصدقت المشاعر والعزائم .. حلت على الميدان بركات النصر ونفحات الأمل .. فصارت فرحة غامرة .. وتمت الإحتفالات بصلاة العيد .. كان إمامها عظيماً حين بدأ خطابه بأيها المسلمون والمسيحيون ....
أدعو الله أن يتقبل من كل المصريين
حجهم إلىميدان التحرير .
الأحد، ٦ فبراير ٢٠١١
الشعب يريد إسقاط النظام

على رقعة الشطرنج المربعة .. وقف الملك الأسود القديم .. وسط حرسه من جنود أمنه المركزى , وحاشيته المكونة من وزير بالغ الطول والبله .. وفيلين عجوزين لكل منهما مؤخرة كبيرة ورأس صغير .. وكذلك حصانين كانا فيما سبق حمارين لكن سرجين مزركشين جعلاهما يبدوان كحصانين أصيلين ..! وأيضاً قلعتين قويتين ومخيفتين يفوح منهما رائحة البارود والغموض ..!
صاح الملك القديم مخاطباً وزيره " ماذا أسمع ؟ وما هذا الضجيج ؟"
إنحنى الوزير وأجاب فى تذلل " عفوك يامولاى .. كنت لاتسمع هذه الضجة فيما سبق .. ولكن لا تقلق .. إنهم فقط يقولون - الشعب يريد إسقاط النظام "
نظر الملك الأسود للفريق الأبيض فوجدهم أعداداً غفيرة , متشابهون , دون ملك أو وزير أو حاشية .. فانزعج الملك .. وأمر بعصبية أن يهاجمهم جنوده الرابضون أمامه ..
فصارت معركة هرب على إثرها كل الجنود السود .. فدفع الملك وزيره إليهم .. فألقوه خارج الرقعة.. وعادوا يهتفون " الشعب يريد إسقاط النظام "
إستغاث الملك بفيليه لكنهما أدارا له مؤخرتين كبيرتين .. وظل كلاهما فى مكانه لا يبرحه ..
فنادى على حماريه الذين يبدوان كحصانين , فقفز كلاهما مصدراً نهيقاً مزعجاً وتركا الرقعة كلها
فوراً تحركت القلعتين الرهيبتين كل منهما فى إتجاه حتى أحاطت بهما الجموع البيضاء , فعجزتا عن الحركة ..!
أصبح الملك الأسود القديم وحيداً .. وسط جحافل القطع البيضاء ..الذين يتشابهون .. طيبون .. وعنيدون .. وتحولت رقعة الشطرنج المربعة إلى دائرة خضراء كبيرة يهتف كل من فيها :
( الشعب يريد إسقاط الرئيس )
القاهرة -- 6/2/2011
السبت، ١٥ يناير ٢٠١١
حواديت البيوت
****
عروسة :
أنا أصلى عروسة قماش محشية قطن من زبالة تنجيد لحاف .. عملتنى – من ييجى عشر سنين – أم لبنتها الصغيرة .. بعد ما خيطت جسمى من خيوط فرحتها كحلت عينىّ بالمرود وخطت شفايفى بقلم أحمر.. وكمان لبستنى فستان من قصاقيص جلابيتها القديمة بس أحلى حاجة كانو ضفيرتين من شعر المعزة .. طالعين من تحت "حردة" صغيرة عليها ترتر بيلمع !
وكنت باحب البت وردة صاحبتى قوى وهى كمان كانت بتحبنى .. طول النهار ماسكانى فى إيدها وتاخدنى معاها فين ما تروح .. وباليل تاخدنى فى حضنها وننام لحد الصبح .. وساعات لما يكون مفيش حد شايفنا كانت ترضعنى من صدرها الصغير , ساعتها كنت بأحس إنى بأشبع من حنانها وأفضل أرضع لحد وردة ماتشبع لعب .
وفى يوم جه يزور البيت عم البت وردة ومعاه بنته سعدية اللى كانت أصغر من وردة .. وأول سعدية ما شافتنى شبطت فىّ وراسها وألف صرمة لازم تاخدنى معاها .. وأنا ماكنتش عايزة , ولا وردة كمان .. بس أنا مش بأتكلم , ووردة قعدت تعيط , لكن سكتت لما إدوها قمع عسل وبريزة فضة ..
فى الآخر روحت مع البت سعدية اللى ما حبيتهاش .. وبعد ما رمتنى يمين وشمال .. فضلت مرمية تحت الكنبة يوم ورا يوم ويظهر سعدية نسيتنى وكمان وردة نسيتنى .. وما عادش فيه حضن أنام فيه بالليل ولا صدر صغير أرضع منه .. ولا بنت تلعب معايا لحد ما تشبع
****
وردة :
قالولى من زمان البت الجدعة لازم تسمع الكلام .. حتى لما خدوا منى عروستى اللى ماكنش عندى لعبة غيرها , قالولى إنتى كبرتى ومايصحش تلعبى بالعروسة .. سمعت الكلام .
ومن سنة أبويا قال ماتروحيش المدرسة تانى علشان الناس ما يصحش تشوفنى رايحة وجاية .. وأنا قلت حاضر . بس ساعتها إنبسطت لأنى كنت مش بأحب المدرسة , والمدرسين كانوا بيضربونا علشان ما بناخدش دروس .. قلت بركة يا جامع وبقيت أساعد أمى فى البيت .. لأنها شقيانة طول النهار ما بترتاحش من تنضيف لغسيل لخبيز لطبيخ لكل حاجة تلزم البيت وطلبات أبويا وإخواتى الأربعة .. وأمى كمان كانت مبسوطة وقالتلى البت ماليهاش إلا بيتها وجوزها فى الآخر . واكيد هى بتحبنى وعارفة مصلحتى ..
ومن كام يوم أمى قالتلى إن فيه عريس كلم أبويا وهو وافق عليه .. وإنه هياخدنى معاه .. أصله من الخليج .. وكمان هيجيب لى هدوم وأكل وغوايش دهب .. بس مش عارفة أمى كانت عينيها مدمعة وهى بتحكى عن العريس وعن السفر .. ولما سألتها .. حضنتنى جامد وقالتلى هاتوحشينى ياضنايا ..ساعتها إفتكرت عروستى اللى خدوها منى .. وعيطنا إحنا الأتنين .
****
أمّها :
البت وردة ليها معزّة زيادة عن إخواتها الولاد , ما هى بتى الوحيدة .. والله ما هاين عليّ أفوتها .. بس النصيب .
قالولى النسوان بلاش تديها للراجل العربى دا كبير وتلاقيه متجوز فى بلده , ويمكن مخلف كمان .. وأهى النسوان كلامها كتير .. ومدام هيعقِد عليها فى الحلال يبقى خلاص .. النصيب ..
وبعدين أبوها كمان مصمم يتمم الجوازة , بيقول لى إن الراجل اللى موكله يعقد على البت هييجى النهارده وهيدفعلنا خمس تلاف جنيه ..
والعيشة صعبة , والعيال كبرت , ولافيه شغل , ولا أرض تتزرع , هنعمل إيه يعنى .. أهو نصيبنا ونصيبها كده ..
صحيح الراجل الوكيل ده عمرى ما إستريحت له , بيقولوا عليه محامى من البندر .. جوِز بنات ياما من البلد ...
وفيه منهم اللى رجعت متطلقة بعد شهر .. واللى بعد شهرين , وفيه اللى ما رجعتش خالص وأهلها بيقولوا متجوزة ومبسوطة .. وكل واحدة بتاخد نصيبها ..
هيفضل قلبى بياكلنى على البت لحد ما أطمِن وربنا يستر عليها .. واللى ربنا يقسم بيه لازم نلاقيه .. ومش حيصيبنا إلاّ نصيبنا .
****
حين بدأت الشمس هبوطها خلف بيوت القرية أرخت العتمة على الحوائط والدروب مسحة من الحزن ..
كان حزناَ يليق بحكاية أم تقف على باب بيتها تراقب من خلال دموعها بنتها الحبيبة تبتعد الى نصيبها المجهول ..
وبنت يدفعها أبوها إلى رجل غريب عقد عليها القران وكيلاََ عن آخر .. تتعثر خطواتها الصغيرة .. وتبتلع دموعها التى تغبش صورة الطريق المظلم أمامها .
وعروسة من القماش ملقاة فى ركن مظلم .. لايعبأ بها أحد .
القاهرة
نوفمبر 2010
الاثنين، ٨ نوفمبر ٢٠١٠
طيـــــــــــــف

حين أرخى جسده المنهك على سرير العمليات .. غرقت عيناه فى فضاء أبيض ..
الحوائط يكسوها بلاط أبيض .. والسقف والأرضية .. ومفارش السرير وطاولات الأجهزة الطبية .. وملابس الأطباء ومساعديهم .. كل شيئ أبيض إلى حد الوهن .
بعد أن ودَع أحبابه وأصحابه , أسلم نفسه لناس لايعرفهم .. سيجرى كبيرهم عملية جراحية فى قلبه الموجوع منذ وقت طويل ..
لا يعلم هل يجعل الله بيد هذا الطبيب نهايته أم شفاءه ؟
بدأ يتطلع للطبيب وكأنه يراه لأول مرة محاولاً أن يتحقق من مهارته التى صنعت شهرته .. تعلقت عيناه بعينى الطبيب .. متوسلاً فى صمت .. حتى أنه لم يعد يرى فى الفراغ الأبيض الفسيح إلا هو .. بل إن وجهه فقط هو ما يظهر دون جسده الذى ذاب بياضه فى الفراغ المضىء من حوله .
ولكن حتى وجهه أصبح لا يتضح منه إلا عيناه فقد كان يخفى رأسه بغطاء أبيض وباقى وجهه عليه كمامة بيضاء
صار الفراغ بياضاً لاينتهى .. أودع ذلك فى قلبه الموجوع خوفاً عميقاً ..
إقتربت العينان المعلقتان بالفراغ من وجهه .. تطمئنه وتهدىء من خوفه .. رأى حينها عينان دافئتان , بهما حنان لم يعهده منذ أمد بعيد .. لكن طبيبه المشهور كان له عينان باردتان أثارتا إنتباهه منذ اللقاء الأول ..
تساءل بقلق :
- من أنت ؟ ..
أجابه الطيف ذو العينان الدافئتان :
- لاتخف .. أنا هنا معك ..
- أين الطبيب ؟ وما هذا المكان الغريب ؟
- إهدأ .. دعنى أساعدك
- كيف تساعدنى ؟ .. لابد أن هذه هى نهاية الرحلة .. ! ولا أظنك إلاَ ملك الحساب .. !
- لا .. لست ملاكاً .. ولا أدرى إن كانت هذه نهاية الرحلة .. فلعلها تكون البداية .. !
- كيف البداية وهذا القلب الكسيح ..؟
- وماذا ترى أصاب قلبك ؟
اشاح الرجل بوجهه بعيداً عن الطيف السابح فى الفضاء الأبيض وسرح بنظره .. فبدا وكأنه يقرأ من كتاب بعيد ..!
- تراكمت الهموم والشجون عبر معارك الحياة الشرسة .. هزائم وإحباطات وظلم زرعت فىٌ قسوة .. وران على القلب ظلام وجشع , ومع الأيام تراكمت شرور وأطماع , خلفت ضغوطاً وأوجاع , ظل قلبى يصارعها حتى صرعته
إقترب الطيف من الرجل .. كانت عيناه معترضتان .. وعند تلاقى عيونهما قال الطيف بصوت خفيض .
- ولكنه لازال قلباً طيباً
أخرج الطيف كفين يحويان قلباً داكناً يغمره دمٌ قان .. وتنتشر عليه بقع سوداء
شهق الرجل فاغراً فمه , محدقاً فى القلب أمامه .. ولكنه تجمد غير قادر على الحركة وقد تملكه شعور قوى بالخواء ..
قرب الكفان ما يضمان إلى وجه الرجل , ومشيراً بإصبع إلى موضع على القلب قال الطيف للرجل :
- أنظر لهذا الموضع لقد خفق حزناً حين كنت طفلاً بسبب طائر سقط محتضراً فى حديقة منزلك ..
وعندما مسح الإصبع الموضع الذى أشار إليه ظهرت نقطة بيضاء فبدت مضيئة على سطح القلب الداكن ..
- وهنا ألا تعلم أن هذا الموضع إهتز رحمةً بسيدة عجوز – منذ سنوات – طلبت منك أن تعبر بها شارعاً مزدحماً وقد فعلت دون تذمر ..
ثم فعل الإصبع ما فعله من قبل وظهرت بقعة ضوء أخرى ..!
- وهذه الزاوية ألم ترتجف جزعاً حين رأيت أمك المريضة فجلست عند قدميها محتضناً يدها وراجياً شفاءها
- وهنا مكان لصديق قديم إقتسمت معه قروشاً قليلة كانت هى كل ما تملك .
- وهنا منذ سنوات خلت .. إمتلأ هذا الجزء خشوعاً حين وقفت وحيداً فبكيت وأنت تناجى الله سبحانه
ظلت عيناه تتابعان إنتشار النقاط المضيئة تحت حركة الإصبع .. ناقلاً بصره بين القلب وعينى الطيف الدافئتين ..
بين التعجب والرضا وجد قلبه قد غلبت عليه البقاع البيضاء .. عندها وضع الطيف قلباً وردياً ينبض على صدر الرجل .. وعاد الكفان أبيضان بغير سوء يذوبان فى الفراغ المضئ ..
- وكيف عرفت عنى كل هذا ؟
هنا سقط اللثام الذى كان يغطى نصف وجه الطيف وأزاح عن رأسه غطاءها.. فبدا له وجهاً يعرفه حق المعرفة
كان وجهاً يراه أيام زمان حين ينظر إلى المرآة .
القاهرة - نوفمبر - 2010
اللوحة للفنان التونسى الكبير نجا المهدوى
الأحد، ١٥ أغسطس ٢٠١٠
أرواح الأبواب ( قصص قصيرة جداً )

نحن ضمادات
لهذه الجروح العميقة
فى أجساد المنازل
الأبوابُ تعرِفُ الحكايةَ كُلَّها
من ( طَقْ طَقْ )
إلى ( السَّلامُ عليكم.)
* كان الطفل يراه باباً عظيماً .. مثل جده الذى يسكن البيت الكبير .. ومع أنه كان يبدو له ضخماً وثقيلاً إلاَ أنه دائماً ما كان يستجيب لطرقاته الطفولية الصغيرة .. فينفتح ليدخل إلى الدفء وصدق المشاعر .. إنه باب قديم .
أكثر ما يضايقه
أنه محروم
من وضع قبضته العالية
فى يد طفل
* لم يعد الباب القديم يستجيب لطرقاته التى صارت أقوى وأعلى صوتاً .. بعد أن مات جده وخلا البيت الكبير من الدفء وصدق المشاعر .. أصبح الباب القديم عنواناً للرحيل
هاهم ينتقلون
كل متاعهم فى الشاحنة
ليس فى المنزل إلا الفراغ
لماذا أغلقونى إذن
* بعد مروره من باب المستشفى خلف الجنازة .. إنطلق الجمع إلى المقابر .. وبعد إنصراف المعزين .. خرج وأغلق الباب .. فتذكر حينها باب سيارة الإسعاف .. وأن الأبواب الثلاثة كانت من الحديد البارد .
مشكلة الباب الحديد
أنه لا يملك
شجرة عائلة
* رغم كونه باباً فقيراً .. تباعدت ألواحه مثل أسنان عجوز جار عليه الزمن .. إلا أن نقشاً باهتاً كان يشير لأيام سعيدة خلت .. كفين متقابلين يصنعان حمامة تطير للأعلى ...
فى إنتظار النزلاء الجدد
يقف مرتعداً
علمته التجربة
أنهم لن يدخلوا
قبل أن يغسلوا قدميه
بدماء ضحية
* منذ زمن بعيد كانا صديقين .. لا يفترقان ليلاً أو نهاراً .. هو والمصباح .. وعندما حان أوان الفراق .. إحترق المصباح وخيم على الباب ظلام الوحدة ...
فى ضوء المصباح
المعلق فوق رأسه
يتسلى طول الليل
بقراءة
كتاب الشارع
* يراه دائماً مفتوحاً على مصراعيه .. تدعوه للدخول دفتيه وسجاده ومنبره ومحرابه .. لكن زحام البشر , وضوضاء الشارع , وذنوب كثيرة .. تبطئ خطوه نحو المسجد ...
تتذمر الأبواب الخشبية
سواء أعملنا فى حانة
أم فى مسجد
فإن مصيرنا جميعاً
إلى النار
* بعد أن طلب الإقتران بها .. ودعته عند الباب .. لاحظ عند هبوطه السلم أن باب شقتها يتكون من ضرفتين .. واحدة كانت مغلقة , والأخرى مواربة ....
مركز حدود
بين دولة السر
ودولة العلن
ثقب المفتاح
* كان صريره الغليظ يبعث على الرعب .. لكن خيطاً من الضوء إنبعث من جانبه .. كان يقصد أن ينشر الإطمئنان لكن التوجس من مصدر الضوء كان أكبر ...
يزعجهم صريره
لايحترمون مطلقاً
أنين الشيخوخة
* كان ينفتح تلقائياً كلما إقترب منه شخص ما .. كبيراً أو صغيراً .. أميراً أو فقيراً .. رجلاً أو إمرأة .. ولكن حين إنقطع عنه التيار الكهربى .. ظل موصداً أمام الجميع .
* لامع ونظيف , ولاينفتح إلا ببطاقة ممغنطة .. ولكنه لا يبعث عندى ذكريات حميمة .. ولهذا أغلقته عند الرحيل ولم أنظر إليه حين وصلت إلى نهاية الممر ...
ليس لها بيوت
ولا أهل
كل يوم تقيم
بين أشخاص جدد
أبواب الفنادق
* لم يكن مستقيماً مثل باقى الأبواب .. فكان أعلاه يستدير كثديين عظيمين .. وأسفله مرفوع كثيراً عن الأرض كثوب غانية رخيصة .. ولأنه بلا مقبض ولا رتاج .. فقد كان كله جسداً مستباحاً ..
أهو فى الداخل
أم فى الخارج
لايعرف
كثرة الضرب
أصابته بالدوار
* حين دق جرس الإنصراف .. نزع الحارس سلسلة ثقيلة كانت تقيد دفتى باب المدرسة .. وبعد لحظات إنطلق التلاميذ يقفزون ويتصايحون ويتسابقون .. كانوا يحتفلون بالحرية ...
طيلَةَ يوم الجُمعة
يشتاق إلى ضوضاء الأطفال
بابُ المدرسة.
طيلةَ يوم الجُمعة
يشتاقُ إلى هدوء السّبت
بابُ البيت !
* لأنه صغير .. لم يمض على وجوده إلا عام واحد .. كان باب الحديقة يظن أن العالم كله فراشات ملونة , وأطفال تمرح , وعشاق تسرح .. قالت الزهور التى لم يمض على وجودها غير يوم واحد .. غداً سيعرف الحقيقة ...
لم تنسه المدينة أصله
ظل مثلما كان فى الغابة
ينام واقفاً
* بعد أن أتم تثبيت الباب الفخم .. الذى يليق بالقصر العظيم .. عاد إلى بيته البسيط .. ذكر نفسه بأن يحضر فى الغد مفصلة جديدة لبابه الذى تهالكت مفاصله ...
باب الكوخ
يتفرج بكل راحة
مسكين باب القصر
تحجب المناظر عن عينيه دائماً
زحمة الحراس
الأشعارلأحمد عفيفى مطر ...
النص أحمد أبو العلا